
مهووسة أنا بالبخور / العود / الدخون . والمبخرة الكهربائية لا تناسبني أبداً . طقوس اختيار الفحم منذ أن كنت صغيرة كانت تسعدني كثيراً .. وتلطخ يداي بالسواد حكاية . أمي كانت تنهرني كثيراً , تطلب مني أن استخدم أداة ما أو منديل أو أو ..
لكني كنت أفضل امساكه بيدي . حتى بعد تواجد الفحم السريع .. كنت أفضل الفحم الأسود .. الذي ننتظره طويلاً .
كنت أحاول جاهدة في تلك الليلة كسر إحدى قطع العود , لا أحب استخدام القطع الكبيرة .. أشعر بأنها تتآكل كاملة لوقت طويل وبشكل لا يروق لي .
استخدم ثلاث أو أربع قطع صغيرة .. متعة مراقبتها .. الدوران بها وحملها في كل مكان .
حاولت كثيراً كسرها ولم استطع , وناديت أمي التي ضحكت كثيراً وبحرفيتها مسكت السكين ونصبت العود ومن المنتصف أخذت تدقها حتى انكسرت – ماكنت لا استطيع فعل ذلك حقاً – أخذت تكسر القطع الكبيرة متذمرة ” حتى ماتجلسني كل يوم والثاني تقولين تعالي اكسري لي ” وضحكت عليها .
ورددتها , رددتها التي مازلت أرددها طويلاً وأقلب معانيها طويلاً , طويلاً .
” أمي كانت تقول [ خِلْ بخورك ترى الزمان مْطِيلْ ] , فهمتي وش معناه ؟ “
ياحبيبتي يا أمي , نعم فهمت معناه .. هذا البخور الغالي العزيز المهم الذي نخشى تلاشيه انقضاءه ككل الأشياء الجميلة التي نعلم بأنه سيأتي يوماً ما وتصبح مستحيلة .
لستُ أدري إذا ماكان هذا تفسيراً لما أشعر به دائماً أو لا , ولكني أشعر بطمأنينة شديدة حينما افتح علبة الحليي لدي وأجد قطع صغيرة من العود .
أشعر بأمان , بفخر , برضا .. لن أشعل الفحم وأقف ذاهلة من تلاشيه يوماً .
فهو ها هنا , ها هنا .
لستُ أنسى اليوم الذي احضرت لي أمي فيه قطعة عود غريبة الشكل وركبت بها سلسلة ذهبية وأهدتني إياها . كانت هدية غاااااالية جداً .. جداً غالية .
ولكني اضعتها يا أمي فهل تسامحيني ؟؟ اضعتها وأنتِ لم تقصدي شيئاً بذكر ذلك المثل ولكنك ِكنتِ وكأنكِ تنبهيني , انتبهي انتبهي وحافظي عليه .. حافظي عليه ..
” خِلْ بخورك ترى الزمان مْطِيل ”
تعطيك أملاً طويلاً , تهديك رهبة , تهديك خوفاً مدبباً . تهبني في كل مرة أرددها رغبة في حضن كل الأشياء التي أحب , في دفنها حتى لا يصل إليها هذا الزمن . هذا الزمن الذي بمروره قد يشربنا جميعاً ولا ينتبه أحد .